
أزعم إنها أصعب تدوينة أكتبها في زعفراني، ربما لأنها تختزل الكثير من المشاعر والأحاسيس التي تراكمت في داخلي على مدى سنوات. لطالما خشيت اللحظة التي سأكتب فيها عن تخرجي الجامعي، لا أدري لماذا؟ لكنها لحظات مربكة، لا يمكن للكلمات أن تصفها أو تلامسها عن قرب، مهما كان انتقائي لها.
بالأمس توجهت إلى فندق الخليج لإجراء بروفة حفل تخرجي، ارتديت ثوب النشل الأسود والمطرز بالذهبي، فجامعة المملكة التي تخرجت منها اختارت لتميز نفسها في حفل تخرجها ألا يكون رداء الطلبة هو روب التخرج التقليدي، وإنما ثوب النشل للخريجات والبشت للخريجين، وهي في كل الأحوال ملابس بحرينية تقليدية.
هناك في الحمام، عزكم الله، القريب من صالة الاحتفال فتحت حقيبتي السوداء الكبيرة ماركة ألدو، وأخرجت حقيبة مكياجي الصغيرة من ماك، وبدأت بتضبيط شكلي ووضع مساحيق التجميل، وبالقرب مني عدد من الفتيات يقمن بنفس الشيء، رتبت ثوبي النشل، وعطرته بالعود العربي، ولم أنسى ارتداء قرطين من سوارافيسكي كنت قد حصلت عليهما هدية عيد ميلادي قبل عامين من صديق عزيز على قلبي، ولا أزال أحتفظ فيهما لأنهما بالنسبة لي جالبين للحظ، ثم خرجت إلى القاعة الرئيسية.
بدأت البروفه بإدارة عدد من أساتذة الجامعة، بينهم الدكتور خالد هيبه، والدكتور رضا الأمين، رتبوا طريقة مشينا إلى المسرح، وطريقة جلوسنا على المقاعد المخصصة، وكيفية استلام الشهادة من رئيس مجلس إدارة الجامعة الأستاذ الدكتور محمد الفقيه من المملكة العربية السعودية.
جرى الوقت سريعاً ونحن خلف الستار نتسامر ونلتقط الصور التذكارية بهواتفنا النقالة، خصوصاً أصحاب البلاك بيري والذين قاموا بنشرها مباشرة في موقع الفيس بوك وإرسالها بالإيميل إلى أصحابهم، افتقدنا بعضنا، فستة أشهر وسنة كاملة دون أن نلتقي كانت كبيرة لأن نجد بعضنا قد توظف، أو انتقل إلى وظيفة أخرى، أو تزوج، أو حاضرة إلى حفل التخرج وهي "منفوخة" حاملة في داخلها طفل يشاركها فرحة التخرج.
لم أكن مرتبكة، لكن المرض لا يزال يعييني، فحرارتي عاودت إلى الارتفاع بعد انتهاء مفعول الأدوية، قبل ذهابي إلى حفل التخرج كنت قد خرجت من المستشفى بإبرتين ومجموعة أدوية، وصوت يكاد أن يكون معدوماً، منعني المرض وتعبه من إلقاء كلمة الخريجين التي كتبتها قبل أسبوع، غير إني لم أكن متضايقة لهذا الأمر، فقد كانت كلمة زميلي أحمد العالي تعبر عن مشاعر كل الخريجين، كنت أرقبه بابتسامة، وأتمنى له التوفيق.
لأنني مشاغبة، حملت هاتفي النقال إلى منصة التكريم، خلافاً للقواعد التي أمرنا بها أثناء البروفة، كنت أنظر إلى إسم أحد الأصدقاء الذي أفتقده بشدة، والذي تمنيت أن يكون ضمن الحاضرين، فقد عاصرني طالبة أدرس وأدخل الامتحانات، و"أتحلطم" على الجامعة والرسوم الدراسية المرتفعة، قدم لي المشورة والنصيحة خلال مشواري الجامعي كاملاً، وقام بتدرسي ماصعب علي فهمه واستيعابه. ووعدته بدوري ألا أتخرج إلا ببصمته على شهادتي الجامعية، وقد فعل.
كان أكثر شخص تمنيت وجوده بين الوجوه الكثيرة المتواجدة في قاعة الحفل، لكني أدركت قبل بدء الحفل أنه لن يكون متواجداً. ابتسمت لإسمه، وقلت له إنه أول الحاضرين في قلبي.
بدأت مراسم حفل تخرجنا، السعادة بادية على محيا الجميع سواء الخريجين أوأهاليهم وأصدقائهم وإدارة الجامعة الفخورة بهذا الإنجاز. وكغيري من الطلبة كنت ألتفت يميناً ويساراً أبحث عن عائلتي وأصدقائي الذين حضروا الحفل، لم أرتح حتى التقت عيناي بعيني والدي ولوحت له من بعيد، قبل أن ينتهي الحفل وأنزل له أقبله على رأسه الغالي، حفظه الله لي ذخراً وسنداً،.
وكم كانت سعادتي بالغة وأنا أحيي أصدقائي الذين تكبدوا عناء الوصول إلى الحفل ليشاركونني فرحتي، بينهم صديقي فواز الشروقي وصديقي محمد العثمان. شعرت نحوهم بالامتنان البالغ والتقدير العظيم. فهذه لحظات لا تنسى من حياة الإنسان، الذي سيظل يتذكر طويلاً وربما أبداً من شاركه إياها.
صديقتي زينب لم تستطع حضور الحفل، ووالدتي كذلك، لكنهم تابعوه عبر موقع الجامعة، والذي كان يبث الحفل أونلاين، في سابقة جميلة من إدارة الجامعة لكل من لم تسعفه ظروفه حضور الحفل في قاعة الفندق.
لم أتوقف عن التعليق وبث النكات خلال حفل التكريم، زميلتي بتول الجهرمي بالقرب مني تضحك كثيراً بين فينة وأخرى على تعليقاتي. أثناء سيرنا إلى المنصة كنت أهدد رانيا زميلتي السعودية بألا تدوس على ثوب نشلي لئلا أتعثر وأسقط على وجهي!
كان موقعي في المنصة استراتيجياً، أول الصف بين كلية الآداب، وهي أول كلية تم تكريمها في الحفل، بل إننا أول فوج يتخرج من هذه الكلية، كلنا كنا من خريجي برنامج الإعلام والعلاقات العامة.
لمحت بين الحضور الشيخ خالد بن عيس
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ